الخميس، 16 أكتوبر 2014

تلاشي



كان اللقاء في المكان الاعتيادي ، في واحدة من محطات مترو الانفاق - تحت الارض - وجدتها تنتظر وهي تعدل من وضع شعرها المنهدل امام عينيها ليظهر وجهها الغارق في بهرج الوان مساحيق الزينة ، تصافحنا وصعدنا الي سطح الارض و سرنا باتجاه المقهي البعيد في اخر شارع المحطة ، كانت الساعة قد تجاوزت التاسعة مساءا في يوم شتوي بللت فيه الامطار ارض الشارع الاسفلتية والارصفة وعتبات المحال ومداخل البنايات القديمة ، كنا نسير صامتين بعد تبادل الاسئلة الاعتيادية عن الاحوال والصحة والمزاج ، اقترب منا من الجهة المقابلة فتي وفتاة لم يتعديا العشرين تقريبا والفتي يختلس لثمة سريعة علي وجنة صاحبته التي انتفضت تحت وطأة المفاجأة ثم لم تلبث وان ابتسمت ، رمقني الفتي محرجا فركزت في الطريق امامي متصنعا عدم الالتفات للثمة المسروقة حتي تجاوزناهما .
وصلنا المقهي وكان خاليا الا من بضع زبائن فرادي يدخنون الشيشة او يحتسون المشروبات الساخنة ، جلسنا خلف الواجهة الزجاجية للمقهي والمطلة علي الشارع والتي انعكس عليها وجهينا وعمق المقهي المضيء ممتزجين مع الشارع و المارة و اضواء اعمدة الانارة الباهتة في الخارج ، كنا لانزال صامتين حينما جاء النادل قاطعا الصمت سائلا عما نحتسي ، فطلبت قهوتها المرة وطلبت كوب شاي
قالت لي وهي تخرج من حقيبتها مرأة التزيين الرخيصة وتناولها لي
- انظر لنفسك قربت علي التحول لشبح .. انظر للسواد حول عينيك ونتؤ عظام وجهك .. دقق في التجاعيد عند زاويا الفم و الجفون و تقشر شفتاك وزحف شعر لحيتك المتطاول بلا تهذيب نحو جانبي انفك .. انك تتلاشي ويحل محلك شخص اخر .
بحثت عن اي ردود ولكن لا رغبة ولا طاقة وجدتا
اتي النادل ووضع فنجان القهوة المرة قبالتها وكوب الشاي امامي وغادر بعدما اختلس نظرة سريعة لمفرق نهديها الواضح من طوق البلوزة الضيقة
همت بمد حبل كلامها المجدول بالعتاب والغضب و الضجر فرفعت يدي بسرعة مشيرا لها بالصمت
قالت
- ساصمت ان كنت ستتحدث
هي هكذا مذ عرفتها تجعل لكل شيء مطلوب منها مقابل مشروط ودائما المقابل الذي تطلبه اعلي قيمة مما تقدم هي
 قلت
- لا اعرف سببا لما انا فيه ولكني اعرف ما انا فيه ، هو شعور بالثقل وخبو الروح وزهد في الكلام ، اشعربغضب بلا سبب ، وزيدي مرافقة الملل لي اينما حللت
التقطت الكلمات الاخيرة فعاجلتني قبل ان أكمل
 - هل مللت مني
قاومت رغبة في اخراج ابتسامة ساخرة ونجحت ، كررت سؤالها فهربت بنظري الي الشارع متلافيا النظر ناحية انعكاس صورتها علي الزجاج وانا افكر في اني صراحة لا اعرف شعوري ناحيتها تلك اللحظة .. في الحقيقة ليس لدي شعور ناحية اي شيء الان .
عدت بعيني اليها لأجدها غادرت مجلسها امامي واصبحت في عمق المقهي علي الباب تتخطي عتبته الي الشارع بخطي سريعة توشي بالغضب و الثورة .. غادرت تاركة قهوتها ، جاء النادل مجاهدا ابتسامة خبيثة علي طرف فمه و هو يحاول الظهور بمظهر من يؤدي عمله بلا مبالاة ليرفع فنجان القهوة فاشرت له ان يتركه .
انتهيت من كوب الشاي ثم احتسيت قهوتها التي بردت ثم حاسبت النادل دون بقشيش وغادرت المقهي .
في الشارع كانت رياح باردة تهب بين الحين والاخر مجبرة المارة القلائل علي رفع ياقات معاطفهم او احكام اغلاق الجواكت أو التتميم علي لفة الكوفيات ، سرت مسافة طويلة دون وجههة محددة فقط كان السير من اجل السير وكانت الساعة قد تخطت الواحدة بعد منتصف الليل حينما وجدته محنيا علي الارض كمن يبحث عن شيء تحت ضوء عمود انارة مرتعش ، كان هو (صديق الدراسة القديم الحميم ) اقتربت اكثر لأتأكد منه وتأكدت انه هو ، لم يتغير كثيرا فقط خف الشعر عن مقدمة رأسه وازداد نحافة ، ناديته باسمه فرفع رأسه عن الارض ناظرا لي بتعجب
سألته
- الا تعرفني
نظر للحظة في عيني مباشرة
- لا
طلبت منه ان يدقق النظر في وجههي ففعل ثم أكد عدم معرفتي وانشغل بعدها في البحث عما كان يبحث
سألته
- هل تبحث عن شيء
رفع رأسه الي مرة اخري و اعاد التدقيق في سحنتي فقلت ربما يتذكرني الان ، فكرت ان اذكره باسمي ولكني اثرت الانتظار علَه يتذكر فتنفعنا الذكري ولكنه التفت و غادرني دون كلمة ، وقفت حائرا لا ادري هل اناديه واشحذ ذاكرته ام اتركه و بينما انا واقفا متحيرا كان قد اختفي في عمق الشارع ، هممت بالتحرك واستئناف السير فوجدت تحت موضع قدمي ورقة مطوية بعناية وقد اتسخت وبللتها المياه ، ربما تلك الورقة هي ما كان يبحث عنه الصديق الذي انكرني ، انحنيت والتقطت الورقة و فتحتها فوجدت فيها اسمي ثلاثيا وعنوان بيتي فوضعت الورقة في جيبي و استأنفت المسير نحو لاشي